حكمة الإمام الجواد في التعامل مع الواقع 

القسم : الإمام محمد الجواد عليه السلام   ||   التاريخ : 2008 / 02 / 24   ||   القرّاء : 4173

 

حكمة الإمام الجواد في التعامل مع الواقع

 اعداد :الشيخ الأمين


بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله العلي العظيم والخالق السميع العليم ، والصلاة والسلام على محمد الأمين وعلى وصيه أمير المؤمنين وعلى الآل الطيبين الطاهرين .

كلمة لابد منها:
عندما يجول المرء ببصره بين ثنايا الكتب التاريخية يجد نفسه أمام كم لانهاية له من ملايين السطور التي تتحدث عن آلاف الشخصيات والأحداث على مدى قرون الزمن وعمر الدنيا.
وعندما تضع الشخصيات الدينية غاية لبحثك فإن التاريخ لن يبخل عليك ببيان ما تريده عنهم.
لكن الباحث عندما يريد أن يدرس ويبحث عما أرخ عن شخصية الإمام الجواد ( ع ) يجد أن يد التاريخ غير مبسوطة لمده بما يحتاج حولها ، وعندما تبتهج برؤية سطور مخطوطة حول شخصيته ، تجد أن تلك السطور لا تملأ سوى وريقات قليلة لا تنعش بحثك ولا تثري ثقافتك بما ينبغي حولها .
ومن هنا حق لنا طرح تساؤلات عن هذا الشح في تأريخ شخصية إمام عظيم من أئمة الشيعة ألاثني عشرية.
فما هو السبب وراء هذه القلة الملموسة من التاريخ تجاه شخصية وحياة الإمام الجواد ( ع ) ؟
هل هو قلة الأحداث التاريخية في زمنه ، أم انحياز المؤرخين عنه إلى غيره ، أم أن السبب في ذلك هو ضعف شخصيته وكونه شخصا عادياً لاميزة له ؟

كل هذه التساؤلات سائغة لنا كي نطرحها أمام التاريخ، لنطالبه بعذره عن تقصيره وشح حقائقه حول الإمام الجواد ، إلا أن موضوع بحثنا هنا يقف حائلاً أمام مواصلة التحقيق حول الجواب الصحيح عن تلك الحقيقة المحزنة.

والسؤال المهم لنا الآن هو ما شأن قلة المصادر التاريخية حول الإمام الجواد ببحثنا حول حكمته ؟
والجواب:
أن عرض هذه الحقيقة يوضح لنا وبغض الطرف عن أجوبة تلك التساؤلات صعوبة الاستشهاد والاستدلال على حكمته ، وهل تعرف حكمة الرجل إلا من خلال مجريات الأحداث والوقائع التي تواجهه وكيفية تعامله معها ؟
وعلى أي حال لابد أن لا نجحف التاريخ حقه لنبرر قصور أقلامنا وقزمية فكرنا أمام عظمة تلك الشخصية العملاقة ، ولو لم يكن من جواب ومبرر لما استفسرناه إلا قلة عمره الشريف حيث أنه الإمام الوحيد الذي قبض عن عمر لا يناهز الخامسة والعشرين عاما ،لكفانا ذلك للإغماض هنا والتجاوز عن اتهام التاريخ بالتقصير في حقه ، ثم أن التاريخ وكتب التدوين والسير ذكرت لنا بعضاً مما جرى عليه من أحداث دارت رحاها حول إمامته وعلمه و مكاتباته وأقواله ، مما يسمح لنا وبشكل صعب نسبيا أن نتأمل مواقفه ( ع ) فيها لندرس شخصيته ونتأمل حكمته في التعامل مع واقع الأحداث في زمن إمامته .


ترجمة الإمام محمد الجواد ( ع ) :
إسمه ونسبه ( ع ) : إسمه الشريف محمد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (عليه السلام ) .
أمُّه ( ع ) :
امه ام ولد يقال لها سبيكة وسماها الرضا (ع) الخيزران وكانت نوبية من أهل بيت مارية القبطية أم إبراهيم ابن الرسول (ص) وكانت من أفضل نساء زمانها وأشار إليها النبي (ص) بقوله : بأبي ابن خيرة الإماء النوبية الطيِّبة.
كُنيته (ع ) : أبو علي ، أبو جعفر ، ويقال له ( ع ) أيضاً : أبو جعفر الثاني ، تمييزاً له عن الإمام الباقر ( ع ) .
ألقابه (ع ):الجواد , القانع , المرتضى , النجيب , التقي , المنتجب , المختار , المتوكل , المتفي , الزكي , العالم .
تاريخ ولادته ( ع ) :
ذكر ابن عياش ان ولادته (عليه السلام) كانت يوم العاشر من رجب ولكن المشهور بين العلماء والمشائخ انه ولد بالمدينة في 9 من شهر رمضان من سنة 195 خمس وتسعين ومئة(1)، ومحل ولادته (ع) المدينة المنورة .
زوجاته ( ع ) : 1 - جارية يُقال لها : سُمانة . 2 - أم الفضل بنت المأمون .
أولاده ( ع ) :
1 - الإمام الهادي ( ع ) .
2 – موسى .
3 – فاطمة .
4 - أُمامة .
مُدة عُمره وإمامته (ع ) : عمره ( 25 ) عاماً ، ومُدة إمامته ( ع ) ( 17 ) عاماً .
حُكَّام عصره ( ع ) : 1 – المأمون . 2 - المعتصم .
شهادته( ع ) ومكانها وتاريخها وسسبها:
تاريخ شهادته ( ع ) في آخر ذي القعدة سنة ( 220 هـ ) . وقضى عليه السلام ببغداد ، وقُتل مسموماً فى زمن الخليفة العباسي المعتصم ، وروى ان زوجته أم الفضل سمته.
وُفن ( ع ) في مقبرة قُريش ، في مدينة الكاظمية المقدسة إلى جوار جده الإمام الكاظم ( عليه السلام ) .


حكمة الإمام الجواد عليه السلام :
قال الطبري في أعلام الورى: انه ( الجواد ) قد بلغ في وقته من الفضل والعلم والحكم والآداب، مع صغر سنه منزلة لم يساوه فيها أحد من ذوي الأسنان من السادة وغيرهم.
من خلال دراسة بعض المواقف والوقائع التي عاشها الإمام الجواد (ع) نستطيع أن نستكشف ونفهم مدى حكمته (ع) ، حيث مر الإمام بأحداث لا يخلو أكثرها من صعوبة في التعامل معها وحلها بأفضل الخيارات المتاحة، وسوف نستعرض هنا بعضا من تلك الأحداث مع التعليق والتأمل فيها .

موقفه من رحيل الإمام الرضا :
عندما استدعى المأمون الإمام الرضا ( ع ) إلى ( مرو ) اضطر الإمام إلى أن يترك المدينة المنورة إلا أنه قبل أن يتوجه إلى مرو اصطحب ابنه الجواد الذي كان عمره عندها قرابة الأربع سنوات ، يحمله الخادم على كتفه لصغر سنه ، وفي كشف الغمة قال : فلما قضى ( الرضا ) طوافه عدل عنده فصار أبو جعفر ( الجواد ) على عتق موفق يطوف به فصار أبو جعفر إلى الحجر فجلس فيه فأطال فقال له موفق : قم جعلت فداك ، فقال : ( ما أريد أن أبرح من مكاني هذا إلا أن يشاء الله ) واستبان في وجهه الغم .
فأتى موفق أبا الحسن (ع) فقال له : جعلت فداك قد جلس أبو جعفر في الحَجَر وهو يأبى أن يقوم ، فقام أبو الحسن فأتى أبا جعفر فقال : ( قم يا حبيبي ) فقال : ( ما أريد أن ابرح من مكاني هذا ) فقال : ( بلى يا حبيبي ) ثم قال : ( كيف أقوم وقد ودعت البيت وداعاً لا ترجع إليه ) فقال له : (قم يا حبيبي ، فقام معه ).
لقد أحس الجواد بعقله الكبير وروحه اليقظة لوعة الفراق ومرارة البعد عن أبيه وأدرك أن لا لقاء بعد اليوم بينهما.
لقد عبر الجواد (ع) رغم صغر سنه هنا عن تعلقه بأبيه ، بإصراره على البقاء في أحضان الحجر ، وهو يقول لأبيه : ( كيف أقوم وقد ودعت البيت وداعا لا ترجع إليه ) فكوّن موقفاً ختم به لقاءه مع أبيه ، وليشعر الباحث المتأمل أن الجواد (ع) أحس بأمر مريب يكتنف تلك المهمة التي سيسافر الرضا(ع) إليها بأمر من المأمون فأراد الجواد أن يلفت أنظارنا بأن ذلك السفر لم يكن طبيعياً ، وأنه كان مدروساً ومدبراً لتصفيته والتخلص منه ، وذلك عندما علم بأن الرضا (ع) كان يودع البيت وداعاً أخيراً وكأنه يعلم بأنه لن يعود بعدها أبداً .

موقف الجواد ممن استنكر إمامته صغيراً :
عن علي بن أسباط قال: رأيت أبا جعفر وقد خرج عليّ فأخذت النظر إليه وجعلت أنظر إلى رأسه ورجليه لأصف قامته لأصحابنا بمصر فبينا أنا كذلك حتى قعد فقال يا علي: إن الله احتج في الإمامة بمثل مااحتج به في النبوة فقال ( وآتيناه الحكم صبياً ) قال ، ولما بلغ أشده وبلغ أربعين سنة ، فقد يجوز أن يؤتى الحكمة صبياً ويجوز أن يعطاها وهو ابن أربعين سنة.

وروي أن علي بن حسان قال لأبي جعفر (ع) يا سيدي إن الناس ينكرون عليك حداثة سنك ، فقال: (( وما ينكرون من ذلك؟ فوالله لقد قال الله لنبيه (ص) ( قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني ) فوالله ما تبعه إلا علي (ع) وله تسع سنين وأنا ابن تسع سنين )) .
انظر يا أخي فيما كتبناه لترى شجاعة فكرية وثقة قيادية وفناً حوارياً وعلماً تاريخاً، بلوره الإمام واستعمله بحكمة ودقة سهلة يسيرة سريعة لا تتعب المستمع ليصل إلى دليل شامخ يقطع الريب ويفحم المنكر لحقه عليه السلام.

موقفه (ع) ممن تجاسر على إمامته :
عيون المعجزات: لما قبض الرضا ع كان سن أبي جعفر ع نحو سبع سنين فاختلفت الكلمة من الناس ببغداد و في الأمصار و اجتمع الريان بن الصلت و صفوان بن يحيى و محمد بن حكيم و عبد الرحمن بن الحجاج و يونس بن عبد الرحمن و جماعة من وجوه الشيعة و ثقاتهم في دار عبد الرحمن بن الحجاج في بركة زلول يبكون و يتوجعون من المصيبة فقال لهم يونس بن عبد الرحمن دعوا البكاء من لهذا الأمر و إلى من نقصد بالمسائل إلى أن يكبر هذا يعني أبا جعفر ع فقام إليه الريان بن الصلت و وضع يده في حلقه و لم يزل يلطمه و يقول له أنت تظهر الإيمان لنا و تبطن الشك و الشرك إن كان أمره من الله جل و علا فلو أنه كان ابن يوم واحد لكان بمنزلة الشيخ العالم و فوقه و إن لم يكن من عند الله فلو عمر ألف سنة فهو واحد من الناس هذا مما ينبغي أن يفكر فيه فأقبلت العصابة عليه تعذله و توبخه و كان وقت الموسم فاجتمع من فقهاء بغداد و الأمصار و علمائهم ثمانون رجلا فخرجوا إلى الحج و قصدوا المدينة ليشاهدوا أبا جعفر ع فلما وافوا أتوا دار جعفر الصادق ع لأنها كانت فارغة و دخلوها و جلسوا على بساط كبير و خرج إليهم عبد الله بن موسى فجلس في صدر المجلس و قام مناد و قال هذا ابن رسول الله فمن أراد السؤال فليسأله فسئل عن أشياء أجاب عنها (عبد الله ) بغير الواجب فورد على الشيعة ما حيرهم و غمهم و اضطربت الفقهاء و قاموا و هموا بالانصراف و قالوا في أنفسهم لو كان أبو جعفر ع يكمل لجواب المسائل لما كان من عبد الله ما كان و من الجواب بغير الواجب ففتح عليهم باب من صدر المجلس و دخل موفق و قال هذا أبو جعفر فقاموا إليه بأجمعهم و استقبلوه و سلموا عليه فدخل صلوات الله عليه و عليه قميصان و عمامة بذؤابتين و في رجليه نعلان و جلس و أمسك الناس كلهم فقام صاحب المسألة فسأله عن مسائله فأجاب عنها بالحق ففرحوا و دعوا له و أثنوا عليه و قالوا له إن عمك عبد الله أفتى بكيت وكيت فقال لا إله إلا الله يا عم إنه عظيم عند الله أن تقف غدا بين يديه فيقول لك لم تفتي عبادي بما لم تعلم و في الأمة من هو أعلم منك؟.
وقد روى أبو جعفر محمد بن جرير الطبري نفس هذا الخبر في مسند فاطمة، لكن باختلاف يسير مع ذكر المسائل التي طرحت على أبي جعفر وجوابه(ع) عنها.

قبوله ( ع ) الزواج من بنت المأمون :
لم يكن القبول قراراً سهلا في تلك الفترة الزمنية التي عرض المأمون على الإمام الزواج من ابنته ، إذ لم يزل خبر تسميم الإمام الرضا (ع) مدوياً في آذان الناس وكان الحديث عندها شائعاً بأن المأمون هو من دس للإمام سماً ، فهو من قتله لا غيره ، وذلك لدوافع سياسية معروفة ومذكورة في محلها .
وخوف أن تحدث فتنة أقدم المأمون على هذه الخطوة كي يسكت الأصوات ويقطع التشكيكات ، ويبرهن للقوم أنه لم يقتل الرضا (ع) فبادر إلى تزويج ابنته أم الفضل من ابن الرضا (ع) وهو إمامنا الجواد عليه السلام.

و بذلك فإن الجواد(ع) ستنفتح أمامه خيارات ضيقه، ويواجه هذا السؤال: هل أقبل بهذا التزويج ؟؟
ثم يأتي الجواب سريعاً للإمام (ع)، ونتفهمه نحن الآن بعد تأملنا في الحكمة من ذلك الجواب ، حيث أنه (ع) أجاب عن هذا السؤال والاختيار بالقبول وعدم رفض الزواج من ابنة المأمون.

ولعل الأسباب من وراء ذلك القرار منه (ع) شبيهة بالأسباب من وراء قبول الإمام الرضا (ع) لمثل هذا الزواج، عندما عرضه عليه نفس المأمون بأخت أم الفضل:

عَنِ الرَّيَّانِ بْنِ الصَّلْتِ قَالَ دَخَلْتُ عَلَى عَلِيِّ بْنِ مُوسَى الرِّضَا ع فَقُلْتُ لَهُ يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ ص إِنَّ النَّاسَ يَقُولُونَ إِنَّكَ قَبِلْتَ وِلَايَةَ الْعَهْدِ مَعَ إِظْهَارِكَ الزُّهْدَ فِي الدُّنْيَا فَقَالَ ع: (( قَدْ عَلِمَ اللَّهُ كَرَاهَتِي لِذَلِكَ فَلَمَّا خُيِّرْتُ بَيْنَ قَبُولِ ذَلِكَ وَ بَيْنَ الْقَتْلِ اخْتَرْتُ الْقَبُولَ عَلَى الْقَتْلِ وَيْحَهُمْ أَ مَا عَلِمُوا أَنَّ يُوسُفَ ع كَانَ نَبِيّاً رَسُولًا فَلَمَّا دَفَعَتْهُ الضَّرُورَةُ إِلَى تَوَلِّي خَزَائِنِ الْعَزِيزِ قَالَ لَهُ اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ وَ دَفَعَتْنِي الضَّرُورَةُ إِلَى قَبُولِ ذَلِكَ عَلَى إِكْرَاهٍ وَ إِجْبَارٍ بَعْدَ الْإِشْرَافِ عَلَى الْهَلَاكِ عَلَى أَنِّي مَا دَخَلْتُ فِي هَذَا الْأَمْرِ إِلَّا دُخُولَ خَارِجٍ مِنْهُ فَإِلَى اللَّهِ الْمُشْتَكَى وَ هُوَ الْمُسْتَعَانُ )).

اضافة لذلك فان الإمام الجواد (ع) عندما يقبل ذلك الزواج فإنه سوف يحصل على صلاحيات سياسية لم تكن متاحة له ، ولن تتاح له لو رفض ، نعم هي صلاحيات محدودة ومراقبة ومقيدة من قبل السلطة الحاكمة ، لكنها وبالرغم من ذلك صلاحيات كافية لأن يستخدمها (ع) من أجل خدمة فكره ومنهجه وشيعته.
ثم أنه لو لم يقبل ذلك الزواج فإن حياته ستكون عرضة للخطر ، ما يعني انقطاع خط الإمامة وزوالها ، وهذا أمر في غاية الخطورة بالنسبة للإمامة ، وكأن الزمن أراد للإمام أن يمر بما مر على جده زين العابدين عليه السلام قبل عقود من الزمن حينما وجد نفسه مخيراً بين المشاركة في معركة الطف (بالرغم من مرضه ) وبين عدمها ، ثم يفصل المسألة عليه أمر مباشر من الإمام الحسين (ع) بالبقاء وعدم المشاركة في الحرب كي لا ينقطع حبل الإمامة وتستمر الرسالة الولائية التي يفترض بها أن تستمر ما بقي الدهر .
والإمام الجواد (ع) بعلمه باحتمال اغتياله لو رفض ذلك الزواج ، فإن الحكمة تقتضي الإقبال عليه وعدم المخاطرة بوجود الإمامة في تلك الحقبة الحساسة من الزمن ، ومحاولة استثمار ذلك القرار من أجل خدمة فكره(ع) ومنهجه .
وبالرغم من قبوله لذلك الزواج إلا أنه أصر على الرجوع إلى المدينة ليحبط خطة المأمون في كسب تأييده للخلافة ، فهي من جانب الإمام استنكار لخلافة المأمون ، وإيحاء للآخرين بعدم شرعية حكمه ، ومن جانب آخر إثبات لإمامته ، وانفصال أطروحته عن أطروحة السلطة الحاكمة ، فقبول الإمام (ع) بالبقاء مع المأمون في بلاطه وحاشيته معناه أن تندمج الأطروحتان وتبدوان للجمهور أنهما غير مختلفتين مما يضيع على أطروحة الإمام معالمها الفكرية الخاصة التي تميزها عن أطروحة الحاكم المخالف له ، ولذلك كان لابد من المطالبة والإصرار على الرجوع إلى المدينة ، وهذا ماحصل فعلا .

مناظراته وردوده على من حاججه:
إن من أشهر القصص والمواقف المنقولة والمتداولة عن الإمام الجواد (ع) هي قصة مناظرته مع يحيى بن أكثم ، وذلك عندما استنكر العباسيون على المأمون لما أراد أن يزوج الجواد (ع) ابنته أم الفضل .
قال ابن حجر في صواعقه بعد كلام له حول إعجاب المأمون بالجواد (ع):
(( .. وعزم على تزويجه بابنته أم الفضل وصمم على ذلك فمنعه العباسيون من ذلك خوفاً من أن يعهد إليه كما عهد إلى أبيه ، فلما ذكر لهم أنه إنما اختاره لتميزه على كافة أهل الفضل علماً ومعرفة وحلماً مع صغر سنه ، فنازعوا في اتصاف محمد بذلك ، ثم تواعدوا على أن يرسلوا إليه من يختبره ، فأرسلوا إليه يحيى بن أكثم وخواص الدولة ، فأمر المأمون بفرشٍ حسنٍ لمحمد فجلس عليه فسأله يحيى مسائل أجابه عنها بأحسن جواب وأوضحه ، فقال له الخليفة : أحسنت يا أبا جعفر ، فإن أردت أن تسأل يحيى ولو مسألة واحدة .
فقال له :
(( ما تقول في رجل نظر إلى امرأة أول النهار حراماً ، ثم حلّت له ارتفاعاً ، ثم حرمت عليه عند الظهر ، ثم حلت له عند العصر ، ثم حرمت عليه عند المغرب ، ثم حلّت له العشاء ، ثم حرمت عليه نصف الليل ، ثم حلت له الفجر))؟
فقال يحيى:
لا أدري .

فقال محمد:
(( هي أمة نظرها أجنبي بشهوة وهو حرام، ثم اشتراها ارتفاع النهار، وأعتقها الظهر، وتزوجها العصر، وظاهر منها المغرب، وكفر العشاء، وطلقها رجعياً نصف الليل، وراجعها الفجر )).

فعند ذلك قال المأمون للعباسيين : قد عرفتم ما كنتم تنكرون ، ثم زوجه في ذلك المجلس بنته أم الفضل )
انتهى.

انظر أخي القارئ كيف أفحم الإمام خصمه فأجاب عن أسئلته دون تردد ليبين عن وجه الصواب بلسان ذَلق ووجه طلق وقلب جسور ، ومنطق ليس بعي ولا حصور ، وليس هذا فقط بل أثبت ليحيى أنه أعلم منه إذ لم يكتفي بأن يكون في موضع المسائلة والتشكيك ، بل بادر وعلى الفور بسؤال الطرف الآخر وإفحامه .
وقد حكي عن تذكرة الخواص أن يحيى بن أكثم قال للإمام (ع) : ما تقول في محرم قتل صيداً ؟
فقال له الإمام (ع) : قتله في حل أو حرم ؟ عالماً كان المحرم أم جاهلاً ؟ قتله عمدا أم خطأ ؟ حرا كان أم عبدا ؟ صغيراً كان أو كبيراً ؟ مبتدئاً بالقتل أم معيدا ؟ من ذوات الطير كان الصيد أم من غيرها ؟ من صغار الصيد كان أم من كباره ؟ مصراً على ما فعل أم نادماً ؟ في الليل كان قتله للصيد أم نهاراً؟ محرماً كان بالعمرة إذ قتله أو بالحج كان محرماً؟ فتحير يحيى بن أكثم وبان في وجهه العجز والانقطاع وتلجلج حتى عرف أهل المجلس أمره .
وهذه المناظرة محكية بعدة صيغ وفي بعضها تفصيل كل المسائل المطروحة وجوابها، لم أذكرها للإختصار.

الإمام يراسل أتباعه ويوجههم:
في كتاب منه (ع) إلى علي بن مهزيار :
( قد فهمت ما ذكرت من أمر القميين ، خلصهم الله ، وفرج عنهم ، وسررتني بما ذكرت من ذلك ، ولم تزل تفعل ، سرك الله بالجنة ، ورضي عنك برضائي عنك ، وأنا أرجو من الله حسن العون والرأفة ، وأقول حسبنا الله ونعم الوكيل ).
قال إبراهيم بن محمد بن حاجب:
( قرأت في رقعة مع الجواد (ع) يُعلم من سأل عنه السياري : أنه ليس في المكان الذي ادعاه لنفسه ، وأن لا تدفعوا إليه شيئاً )
من خلال الإطلاع على هذه الرسائل وأشباهها نجد أن لها طابعاً خاصاً وترميزا سياسياً وأسلوباً قيادياً يحكي الدور والموقع المهم الذي كان للإمام (ع) في أغلب الحركات الشيعية الفكرية والثورية والسياسية و الاجتماعية.

عِبَر وحكم من كلامه عليه السلام :
إليك أخي القارئ شيئاً من كلماته (ع) والتي لا يصدر مثلها إلا من شخص بلغ من الحكمة والرقي الفكري درجة فوق مستوى عموم البشر:
-قال (ع) :
(( من وثق بالله أراه السرور ، ومن توكل عليه كفاه الأمور و الثقة بالله حصن لا يتحصن فيه إلا مؤمن أمين و التوكل على الله نجاة من كل سوء و حرز من كل عدو و الدين عز و العلم كنز و الصمت نور و غاية الزهد الورع و لا هدم للدين مثل البدع و لا أفسد للرجال من الطمع و بالراعي تصلح الرعية و بالدعاء تصرف البلية و من ركب مركب الصبر اهتدى إلى مضمار النصر و من عاب عيب و من شتم أجيب و من غرس أشجار التقى اجتنى ثمار المنى )) .

- و قال (ع) :
(( من أمل إنسانا فقد هابه و من جهل شيئا عابه و الفرصة خلسة و من كثر همه سقم جسده و المؤمن لا يشتفي غيظه و عنوان صحيفة المؤمن حسن خلقه )).

- و قال (ع) :
(( العلماء غرباء لكثرة الجهال بينهم )).

- و قال (ع):
(( لو سكت الجاهل ما اختلف الناس )).

- و قال (ع) :
(( لا يفسدك الظن على صديق و قد أصلحك اليقين له و من وعظ أخاه سرا فقد زانه و من وعظه علانية فقد شانه استصلاح الأخيار بإكرامهم و الأشرار بتأديبهم و المودة قرابة مستفادة و كفى بالأجل حرزا و لا يزال العقل و الحمق يتغالبان على الرجل إلى ثماني عشرة سنة فإذا بلغها غلب عليه أكثرهما فيه و ما أنعم الله عز و جل على عبد نعمة فعلم أنها من الله إلا كتب الله جل اسمه له شكرها قبل أن يحمده عليها و لا أذنب ذنبا فعلم أن الله مطلع عليه إن شاء عذبه و إن شاء غفر له إلا غفر الله له قبل أن يستغفره)).

- و قال (ع):
(( الشريف كل الشريف من شرفه علمه و السؤدد حق السؤدد لمن اتقى الله ربه و الكريم من أكرم عن ذل النار وجهه )).

- و قال (ع) :
(( مسكين ابن آدم مكتوم الأجل مكنون العلل محفوظ العمل تؤلمه البقة و تقتله الشرقة و تنتنه العرقة)).


ختاماً :
لقد لمسنا وبجلاء من خلال السطور المتقدمة صرحاً عاليا ومثالاً راقياً من الحكمة والسياسة والدقة العقلية والمواقف القيادية ، ما يتيح لنا أن ندرس ونتمعن في شخصية الإمام الجواد (ع) وأن نقف إجلالاً أمام عظمة وسمو منزلته ، فيحق لرؤوسنا أن تُطأطأ ولأقلامنا أن تنكسر احتراما وتعظيما وهيبة له عليه السلام .
وليس ما ذكرناه إلا مرور سريع  بين سطور نَقَلتها لنا كتب الحديث ، وخطتها لنا كتب التاريخ والتراجم رغم قلتها وشحها وعدم إعطاء الإمام الجواد (ع) مندوحة بين ثنايا أقلام مؤرخيها .

وإلى هنا أُمسك بعنان القلم وأرجو أن أكون قد قدمت بهذه الأسطر فكرة عامة تفتح الأبواب للباحثين لأن يحركوا أقلامهم للحديث أكثر عن شخصية مولانا الإمام الجواد عليه السلام فيدرسونها من شتى زواياها ، ويبرزوا لنا أموراً قد تكون خفيت علينا ، والحمد لله رب العالمين . 

      ((الأمين : شوال 1425هجري))

زاد المعاد -www.zaad.org

 



 
 


أهل البيت عليهم السلام :

  • النبي الأعظم صلى الله عليه واله وسلم
  • أمير المؤمنين علي عليه السلام
  • الصديقة فاطمة الزهراء عليها السلام
  • الامام الحسن عليه السلام
  • الإمام الحسين عليه السلام
  • الامام علي السجاد عليه السلام
  • الإمام الباقر عليه السلام
  • الإمام جعفر الصادق عليه السلام
  • الإمام موسى الكاظم عليه السلام
  • الإمام علي الرضا عليه السلام
  • الإمام محمد الجواد عليه السلام
  • الإمام علي الهادي عليه السلام
  • الإمام الحسن العسكري عليه السلام
  • الإمام الحجة المهدي عليه السلام

تربية أخلاقية :

  • أخلاقيات

فكر وعقيدة :

  • عقائديات

مقالات ومواضيع منوعة :

  • المرأة والطفل
  • منوعات
  • مقابلات مع الشيخ علي الدهنين دام عزه
  • محاضرات مكتوبة للشيخ الدهنين
  • شخصيات إسلامية

سير بعض العلماء :

  • آية الله العظمى الشيخ بهجت

القسم الصوتي والمرئي :

  • محاضرات محرم لعام 1434 هـ

سماحة الشيخ حيدر السندي :

  • التوحيد الإلهي
  • العدل الإلهي
  • النبوة
  • الإمامة
  • أهل البيت عليهم السلام
  • الإمام المهدي عليه السلام
  • منوعات
  • منوعات فقهية
     جديد القسم :



 التوسل بالأنبياء وفعل المشركين

 المرجع الأعلى إذا تحدث

 أسئلة حول التقليد

 بين يدي المرجعية

 الحوزة والدرس العقدي

 العلم والوعي في زمن الغيبة

 العلم والوعي في زمن الغيبة

  دفع شبهة عن العقيدة المهدوية

  تعليق على مقال مهدوي

 لماذا سكت الامام ( عليه السلام) يوم الهجوم؟

     البحث في القسم :


  

     مقالات عشوائية :



 فصل في فضل انتظار الفرج

 حديث لطيف في عدد الأئمة بالاسم !!

 آية الولاية

 الإمام الصادق(ع) ودوره في نشر الفكر الإسلامي

 المجتمع الذي يريده صاحب الزمان عليه السلام

 نصوص الإمام الهادي على إمامة الحسن العسكري

 التوازن بين اللين والشدة في تربية الطفل

 فاطمة الزهراء بهجة قلب المصطفى

 حسن مقابلة الإمام الحسين عليه السلام للشامي

 افضل العبادة انتظار الفرج

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية لهذا القسم
  • أرشيف مواضيع هذا القسم
  • راسلنا - إتصل بنا
  • أرسل إستفتاء / سؤال
  • أضف الموقع للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

 زاد المعاد : الموقع الرسمي لسماحة الشيخ علي الدهنين دام عزه  @  www.zaad.org

تصميم وبرمجة وإستضافة الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net