الإعجاز القرآني 

القسم : منوعات   ||   التاريخ : 2008 / 01 / 21   ||   القرّاء : 4100

الإعجاز القرآني


الإعجاز في مفهومه
الإعجاز: مصدر مزيد فيه من (عجز) إذا لم يستطع أمرا، ضد (قدر) إذا تمكّن منه. يقال: أعجزه الأمر، إذا حاول القيام به فلم تسعه قدرته و أعجزتُ فلانا: إذا وجدتَه عاجزا أو جعلتَه عاجزا.
و المُعجزة ـ في مصطلحهم ـ تطلق علي كلّ أمر خارق للعادة، إذا قرن بالتحدّي و سلم عن المعارضة، يظهره اللّه علي يد أنبيائه ليكون دليلاً علي صدق رسالتهم.

و هي تتنوع حسب تنوع الأُمم المرسل إليهم في المواهب و المعطيات، فتتناسب مع مستوي رقيّهم في مدارج الكمال، فمن غليظ شديد الي
رقيق مرهف،و من قريب مشهود الي دقيق بعيد الآفاق. و هكذا كلّما تقادمت الأُمم في الثقافة و الحضارة فإنّ المعاجز المعروضة عليهم من قِبَل الأنبياء عليهم السلام ترقّ و تلطف، و كانت آخرالمعاجز رقّة و لطفا هي أرقاها نمطا و أعلاها اسلوبا، ألاوهي معجزة الإسلام الخالدة، عرضت علي البشريّة جمعاء مع الأبد، مهما ارتقت و تصاعدت في آفاق الكمال، الأمر الذي يتناسب مع خلود شريعة الاسلام.


و لقد صعب علي العرب ـ يومذاك و هم علي البداوة الأُولي ـ تحمّل عب ء القرآن الثقيل، فلم يطيقوه. و من ثم تمنّوا لو يُبدَّل الي قرآن غير هذا، و معجزة اخري لاتكون من قبيل الكلام: «قَالَ الَّذينَ لاَيَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقرآنٍ غَيرِ هَذا أَوْبَدِّلْه قُلْ مَا يَكوُنُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تلقاءِ نفْسي إنْ أَتَّبعُ إلاَّ مَا يُوحَي إلَيَّ». إنّها لم تكن معجزة للعرب فقط، و إنّما هي معجزة للبشرية عبرالخلود، لكن أنّي لأُمّة جهلاء أن تلمس تلك الحقيقة و أن تُدرك تلك الواقعيّة سوي أنّها اقترحت عن سفه: أن يفجّر لهم من الأرض ينبوعا، أو تكون له جنة من نخيل و عنب و يفجّر الانهار خلالها تفجيرا، أو يسقط السماء عليهم كسفا، أو يأتي باللّه و الملائكة قبيلاً، أو يكون له بيت من زخرف أو يرقي في السماء، و لايؤمنوا لرقيّة حتي ينزل عليهم كتابا يقرؤونه... و قد عجب النبيّ صلي الله عليه و آله من مقترحهم ذلك التافه الساقط، ممّا يتناسب و مستواهم الجاهلي، و من ثم رفض اقتراحهم ذاك «قُلْ سُبْحانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إلاَّ بَشَرا رَسُولاً». أي ليس هذا من شأنكم و إنّما هي حكمة بالغة يعلمها الحكيم الخبير.
قال الراغب الاصفهاني: المعجزات التي أتي بها الانبياء عليهم السلام ضربان: حسّي و عقلي:
فالحسّي: ما يدرك بالبصر، كناقة صالح، و طوفان نوح، و نار إبراهيم، و عصا موسي. عليهم السلام
و العقلي: ما يدرك بالبصيرة، كالإخبار عن الغيب تعريضا و تصريحا، و الإتيان بحقائق العلوم التي حصلت عن غير تعلم.
فأما الحسي: فيشترك في إدراكه العامة و الخاصة، و هو أوقع عند طبقات العامّة، و آخذ بمجامع قلوبهم، و أسرع لإدراكهم، إلاّ أنه لايكاد يفرق ـ بين ما يكون معجزة في الحقيقة، و بين ما يكون كهانة أو شعبذة أو سحرا، أو سببا اتفاقيا، أو مواطأة، أو احتيالاً هندسيا، أو تمويها و افتعالاً ـ إلاّ ذو سعة في العلوم التي يعرف بها هذه الأشياء.
و أما العقلي: فيختص بإدراكه كملة الخواص من ذوي العقول ا لراجحة، و الأفهام الثاقبة، و الروية المتناهية، الذين يغنيهم، إدراك الحق.
و جعل تعالي أكثر معجزات بنياسرائيل حسيّا لبلادتهم، و قلّة بصيرتهم، و أكثر معجزات هذه الأُمّة عقليا لذكائهم و كمال أفهامهم التي صاروا بها كالأنبياء. و لذلك قال عليه الصلاة و السلام:
«كادت أُمتي تكون أنبياء».

و لأن هذه الشريعة لما كانت باقية علي وجه الدهر غير معرّضة للنسخ، و كانت العقليات باقية غيرمتبدلة جعل أكثر معجزاتها مثلها باقية. و ما أتي به النبي صلي الله عليه و آله من معجزاته الحسيّة، كتسبيح الحصا في يده، و مكالمة الذئب له، و مجيء الشجرة إِليه، فقد حواها و أحصاها أصحاب الحديث.
و أما العقليات: فمن تفكر فيما أورده عليه السلام من الحكم التي قصرت عن بعضها أفهام حكماء الأُمم بأوجز عبارة اطلع علي أشياء عجيبة.
و مما خصه اللّه تعالي به من المعجزات القرآن: و هو آية حسيّة عقلية صامتة ناطقة باقية علي الدهر مبثوثة في الأرض، و لذلك قال تعالي: «و قالوا لَولا أُنزِلَ عليه آيات مِن رَبّه قُل إنّما الآياتُ عِندَاللّهِ و إنّما أنا نَذيرٌ مُبين. أوَلَم يَكْفِهم أنّا أنَزلنا عليكَ الكِتابَ يُتلي عَليهم» و دعاهم ليلاً و نهارا مع كونهم اُولي بسطة في البيان إلي معارضته، بنحو قوله «و إن كنتم في ريب مما نزلنا علي عبدنا فاتوا بسورة من مثله. و ادعوا شهداءكم من دون اللّه» و في مومضع آخر: «وادعوا من استطعتم من دون اللّه إن كنتم صادقين» و قال: «قل لئن اجتمعت الإنس و الجن علي أن يأتوا بمثل هذا القرآن لايأتون بمثله و لو كان بعضهم لبعض ظهيرا».

فجعل عجزهم علما للرسالة، فلوقدروا ما أقصروا، إذ قد بذلوا أرواحهم في إطفاء نوره و توهين أمره، فلما رأيناهم تارة يقولون: «لاتسمعوا لهذا القرآن و الغوا فيه» و تارة يقولون: «لونشاء لقلنا مثل هذا»، و تارة يصفونه بأنّه «أساطير الأولين» و تارة يقولون «لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة» و تارة يقولون: «إئت بقرآن غير هذا أو بدله» كل ذلك عجزا عن الإتيان بمثله، علمنا قصورهم عنه، و محال أن يقال: إنه عورض فلم ينقل فالنفوس مهتزّة لنقل ما دقّ و جلّ. و قد رأينا كتبا كثيرة صنّفت في الطعن علي الإسلام قد نقلت و تدوولت.


***
و يمتاز القرآن علي سائر المعاجز بأنّه يضمّ الي جانب كونه معجزا جانب كونه كتاب تشريع، فقد قُرن التشريع بإعجاز و وُحدّ بينهما، فكانت دعوة يرافقها شهادة من ذاتها، دلّ علي ذاته بذانة.
قال العلامة ابن خلدون: اعلم أنّ أعظم المعجزات و أشرفها و أوضحها دلالة القرآن الكريم المنزل علي نبيّنا محمد صلي الله عليه و آله ... فإن الخوارق في الغالب تقع مغايرة للوحي الّذي يتلقاه النبيّ و يأتي بالمعجزة شاهدة بصدقه، و القرآن هو بنفسه الوحي المدّعي، و هو الخارق المعجزفشاهده في عينه و لايفتقر الي دليل مغايرله كسائر المعجزات مع الوحي، فهو أوضح دلالة، لاتّحاد الدليل و المدلول فيه.
قال: و هذا معني قوله صلي الله عليه و آله : «ما من نبيّ من الأنبياء إلاّ و أوتي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، و إنّما كان الذي أُوتيته وحيا اُوحي اليّ، فأنا أرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة». يشير الي أن المعجزة متي كانت بهذه المثابة في الوضوح و قوّة الدلالة، و هو كونها نفس الوحي، كان الصدق لها أكثر لوضوحها، فكثر المصدّق المؤمن و هو التابع و الاُمّة.


***
و قال الجاحظ: بعث اللّه محمدا صلي الله عليه و آله أكثر ما كانت العرب شاعرا و خطيبا، و أحكم ما كانت لغة، و أشدّ ما كانت عدة، فدعا أقصاها و أدناها الي توحيد اللّه و تصديق رسالته، فدعاهم بالحجّة، فلمّا قطع العذر و ازال الشبهة و صار الذي يمنعهم من الإقرار، الهوي و الحميّة دون الجهل و الحيرة، حملهم علي حظهم بالسيف، فنصب لهم الحرب و نصبوا، و قتل من عليّهم و أعلامهم و أعمامهم و بني أعمامهم، و هو في ذلك يحتجّ عليهم بالقرآن، و يدعوهم صباحا و مساءً الي أن يعارضوه إن كان كاذبا، بسورة واحدة، أو بآيات يسيرة، فكلّما ازداد تحدّيا لهم بها، و تقريعا لعجزهم عنها، تكشّف من نقصهم ما كان مستورا، و ظهر منه ما كان خفيّا، فحين لم يجدوا حيلة و لاحجّة قالوا له: أنت تعرف من أخبار الأمم مالانعرف، فلذلك يمكنك ما لايمكننا. قال: فهاتوها مفتريات، فلم يَرُمْ ذلك خطيب ولاطمع فيه شاعر، و لو طمع فيه لتكلّفه، و لو تكلّفه لظهر ذلك، و لو ظهر لوجد من يستجيده و يحامي عليه و يكابر فيه و يزعم أنه قد عارض و قابل و ناقض، فدلّ ذلك العاقل علي عجزالقوم، مع كثرة كلامهم، و استجابة لغتهم، و سهولة ذلك عليهم، و كثرة شعرائهم و كثرة من هجاه منهم و عارض شعراء أصحابه و خطباء أُمّته، لأنّ سورة واحدة و آيات يسيرة كانت أنقض لقوله، و أفسد لأمره و أبلغ في تكذيبه، و أسرع في تفريق اتباعه من بذل النفوس، و الخروج من الأوطان و إنفاق الأموال.
و هذا من جليل التدبير الذي لايخفي علي من هو دون قريش و العرب في الرأي و العقل بطبقات، و لهم القصيد العجيب، و الرجز الفاخر، و الخطب الطوال البليغة و القصار الموجزة، و لهم الأسجاع و المزدوج و اللفظ المنثور، ثمّ تحدّي به أقصاهم بعد أن أظهر عجز أدناهم فمحال ـ أكرمك اللّه ـ أن يجتمع هؤلاء كلّهم علي الغلط في الأمر الظاهر، و الخطأ المكشوف البيّن مع التقريع بالنقص، و التوقيف علي العجز، و هم أشدّ الخلق أنفة، و أكثرهم مفاخرة، الكلام سيّد عملهم، و قد احتاجوا إليه، و الحاجة تبعث علي الحيلة في الأمر الغامض، فكيف بالظاهر الجليل المنفعة، و كما أنه محال أن يطبقوا ثلاثا و عشرين سنة (مدة رسالته صلي الله عليه و آله ) علي الغلط في الأمر الجليل المنفعة فكذلك محال أن يتركوه و هم يعرفون و يجدون السبيل إليه، و هم يبذلون أكثر منه.
التحدّي في خطوات
لقد تحدّي القرآن عامة العرب، مذ نشأبين ظهرانيهم، و هم لمسوه بأناملهم فوجدوه صعبا علي سهولته و ممتنعا علي يسره، فحاولوا معارضته و لكن لابالكلام، لعجزهم عنه، بل بمقارعة السيوف و بذل الأموال و النفوس، دليلاً علي فشلهم عن مقابلته بالبيان.
و ربّما كانوا بادئ ذي بدء استقلّوا من شأنه، حيث قالوا: «لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذا إنْ هَذا إلاَّ أسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ» و قالوا: «إنْ هَذا إلاّ قَوْلُ الْبَشَر».و قالوا: «إنّما يُعَلِّمُهُ بَشرٌ» و قالوا: «ما أنزَلَ اللّه علي بشرٍ مِن شَيءٍ» إلي امثالها من تعابير تنم عن سخف أوهامهم. لكن سرعان ماتراجعت العرب علي أعقابها، فانقلبوا صاغرين، و قد ملكتهم روعة هذا الكلام و طغت عليهم سطوته، متهكّما بموقفهم هذا الفاشل، و متحديّا في مواضع.
«أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَل لاَيُؤْمنون. فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إن كَانُوا صادقينَ». و حدّد لهم لو يأتوا بعشر سور مثله مفتريات فيما كانوا يزعمون «أَمْ يَقُولُونَ افتراه قُل فأتُوا بِعَشْرِ سُوَر مِثْلِهِ مفترياتٍ وَادْعوُا مَنِ اسْتَطَعْتُم مِنْ دُونِ اللّه إن كُنْتُمْ صَادقين فإنْ لَم يَستَجِيبوا لَكمْ فَاعْلَمُوا أَنَّما انْزِلَ بِعِلْمِ اللّهِ».

و تصاغرا من شأنهم تنازل أَنْ لواستطاعوا أن يأتوا بسورة واحدة من مثله: «أَمْ يَقُولُونَ افتراهُ قُلْ فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعوُاْ مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِن دون اللّه إن كُنتمْ صادقينَ. بَلْ كَذَّبُواْ بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ و لَمَّا يَأْتِهِمْ تَأوِيلُهُ كَذَلك كَذَّبَ الَّذينَ مِنْ قَبْلِهِمْ».
و أخيرا حكم عليهم حكمه الباتّ «فَإن لَمْ تَفْعَلوا وَلَن تَفْعَلوا» أن ليس باستطاعتهم ذلك مهما حاولوه و أعدّوا له من حول و قوّة، لأنه كلام يفوق كلام البشر كافّة.
و الآن و قد حان إعلان التحدّي بصورته العامّة، متوجّها به الي البشرية جمعاء، تحديّا مستمرا عبر الأجيال: «قُل لئِنِ اجْتَمَعَتِ الاِنْسُ والجِنُّ عَلي أَن يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذا القرآنِ لاَيَأْتُونَ بِمِثْلِهِ و لَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرا».


***
و هل وقع التحدّي بجميع وجوه الإعجاز، أم كان يخصّ جانب فصاحته و بلاغته و بديع نظمه و عجيب اسلوبه فحسب؟
و لعلّه يختلف حسب اختلاف الخطاب... فحيث كان التحدّي متوجّها الي العرب خاصة، و لاسيّما ذلك العهد، الذي كانت مهنة العرب فيه خاصة بجانب البيان و طلاقة اللسان... فلا جرم كان التحدّي حينذاك أيضا خاصّا بهذا الجانب في ظاهر الخطاب... .
أمّا و بعد أن توجّه النداء العامّ الي كافة البشريّة علي الإطلاق، فإنّه لابدّ أن يقع التحدّي بمجموعة وجوه الإعجاز من حيث المجموع... حيث اختلاف الاستعدادات و القابليّات... و القرآن معجزة الإسلام، لجميع الادوار و عامّة الأجيال، و لمختلف طبقات الناس، في الفنون و المعارف، و العلوم والثقافات... .
التحدّي في شموله
و هذا التحدّي في عمومه يشمل كلّ الأُمم و كلّ أدوار التأريخ، سواء العرب و غيرهم، و سواء من كان في عهد الرسالة أم في عهود متأخرة حتي الأبد. اللفظ عامّ و الخطاب شامل و لأنّ التحدّي لم يكن في تعبيره اللفظي فقط ليخصّ لغة العرب، و إنّما هو بمجموعته من كيفيّة الأداء و البيان و المحتوي جميعا. كما أنّه لم يخصّ جانب فصاحته فحسب، ليكون مقصورا علي العهد الأوّل، حيث العرب في ازدهار الفصاحة و الأدب. علي أنّ الفصاحة و البلاغة لم تختصّ بلغة دون أخري و لا باُمّة دون غيرها.
لكن هناك من حاول اختصاص التحدّي بالعهد الأوّل و إن كان الإعجاز باقيا مع الخلود زعما بأنّ عجز ذلك الدور يكفي دليلاً علي كونه معجزا أبدا. هكذا زعمت الكاتبة بنت الشاطي، قالت: مناط التحدي هو عجز بلغاء العرب في عصر المبعث، و أمّا حجة إعجازه فلا تخصّ عصرا دون عصر و تعمّ العرب و العجم، و كان عجز البلغاء من العصر الأوّل و هم أصل الفصاحة برهانا فاصلاً في قضية التحدّي... .
قلت: و لعلّها في ذهابها هذا المذهب، خشيت أن لوقلنا بأنّ التحدّي قائم و لايزال، أن سوف ينبري نائرة الكفر و الإلحاد، ممّن لايقلّ عددهم في الناطقين بالضاد، فيأتي بحديث مثله، و بذلك ينقض أكبر دعامة من دعائم الإسلام!
لكنّها فلتطمئن أنّ هذا لن يقع و لن يكون، لأنّ القرآن وُضع علي أُسلوب لايدانيه كلام بشر البتة، و لن يتمكن أحد أن يجاريه لاتعبيرا و أداءً و لاسبكا و اسلوبا، مادام الإعجاز قائما بمجموعة اللفظ و المعني، رفعة و شموخ في المحتوي، و جمال و بهاء في اللفظ و التعبير، فأيّ متكلّم أو ناطق يمكنه الإتيان بهكذا مطالب رفيعة، لم تسبق لها سابقة في البشريّة و في هكذا قالب جميل! اللهمّ إلاّ أن يفضح نفسه.


و في التأريخ عِبَرٌ تؤثر عن اُناس حاولوا معارضة القرآن، لكنّهم أتوا بكلام لايشبه القرآن و لايشبه كلام انفسهم، بل نزلوا الي ضرب من السخف و التفاهة، بادٍ عواره، باقٍ عاره و شناره، فمن حدّثته نفسه أن يعيد هذه التجربة، فلينظر في تلك العبر، و من لم يستحِ فليصنع ماشاء.
و تلك شهادات من أهل صناعة الأدب، اعترفوا ـ عبر العصور ـ بأنّ القرآن فذّ في أسلوبه لايمكن لأحد من الناس أن يقاربه فضلاً عن أن يماثله.
قال الدكتور عبداللّه دراز: من كانت عنده شبهة، زاعما أنّ في الناس من يقدر علي الإتيان بمثله، فليرجع الي أدباء عصره، و ليسألهم: هل يقدر أحد منهم علي أن يأتي بمثله؟ فإن قالوا: نعم، لو نشاء لقلنا مثل هذا، فليقل لهم: هاتوا برهانكم. و إن قالوا: لاطاقة لنا به. فليقل لهم: أيّ شيء أكبر شهادة علي الإعجاز من الشهادة علي العجز. ثم ليرجع الي التأريخ فليسأله ما بال القرون الأولي؟ ينبئك التأريخ أنّ أحدا لم يرفع رأسه أمام القرآن الكريم، و أنّ بضعة النفر الذين انغضّوا رؤوسهم اليه، باؤوا بالخزي و الهوان، و سحب الدهر علي آثارهم ذيل النسيان.28
التحدّي بفضيلة الكلام
قد يقول قائل: إنّ صناعة البيان ليست في الناس بدرجة واحدة، و هي تختلف حسب اختلاف القرائح و المُعطَيات، و لكلّ إنسان مواهبه و معطياته. و كلّ متكلّم أو كاتب إنّما يضع في بيانه قطعة من عقله و مواهبه، و من ثم يختلف الناس في طرق التعبير و الأداء، و لايمكن أن يتشابه اثنان في منطقهما و في تعبيرهما، اللهمّ إلاّ إذا كان عن تقليد باهت.
إذن فكيف جاز تحدّي الناس لويأتوا بحديث في مثل القرآن، و هم عاجزون أن يأتوا بمثل كلام بعضهم؟!
لكن غير خفي أنّ لشرف الكلام وضعته مقاييس، بها يعرف ارتفاع شأن الكلام و انحطاطه و قد فصّلها علماء البيان، و بها تتفاوت درجات الكلام و يقع بها التفاضل بين انحائه من رفيع او وضيع، نعم و إن كانت القرائح و المعطيات هي المادّة الأولي لهذا التفاوت، و لانماري أن يكون كلام كلّ متكلّم هي وليدة فطرته و حصيلة مواهبه و معطياته، بحيث لايمكن مشاركة أي أحد فيما تمليه عليه ذهنيّته الخاصّة، لكن ذلك لايوهن حجّتنا في التحدّي بالقرآن، لأنّا لانطالبهم أن يأتوا بمثل صورته الكلاميّة، كلاّ، و إنّما نطلب كلاما ـ أيّا كان نمطه و اسلوبه ـ بحيث إذا قيس مع القرآن، بمقياس الفضيلة البيانيّة، حاذاه أو قاربه، علي شاكلة ما يقاس كلمات البلغاء بعضهم مع بعض، و هذا هو القدر الذي يتنافس فيه الأُدباء، و يتماثلون أو يتقاربون، لاشيء سواه.
و قد أشار السّكاكي الي طرف من تلك المقاييس التي هي المعيار لارتفاع شأن الكلام و انحطاطه، قال ـ بعد أن ذكر أن مقامات الكلام متفاوتة، و لكلّ كلمة مع صاحبتها مقام، و لكلّ حدّ ينتهي إليه الكلام مقام ـ : و ارتفاع شأن الكلام في باب الحسن و القبول و انحطاطه في ذلك، بحسب مصادفة الكلام لما يليق به.
قال: فحسن الكلام تحلّيه بشيء من هذه المناسبات و الاعتبارات بحسب المقتضي، ضعفا و قوّةً علي وجه من الوجوه (التي يفصّلها في فني المعاني و البيان).
و يقول ـ بعد ذلك ـ : و إذ قد تقرّر أنّ مدار حسن الكلام و قبحه علي انطباق تركيبه علي مقتضي الحال و الاعتبار المناسب، و علي لاانطباقه، وجب عليك ـ أيّها الحريص علي ازدياد فضلك، المنتصب لاقتداح زناد عقلك، المتفحّص عن تفاصيل المزايا التي بها يقع التفاضل، و ينعقد بين البلغاء في شأنها التسابق و التناضل ـ أن ترجع الي فكرك الصائب، و ذهنك الثاقب، و خاطرك اليقظان، و انتباهك العجيب الشأن، ناظرا بنور عقلك، و عين بصيرتك، في التصفّح لمقتضيات الأحوال، في إيراد المسند إليه علي كيفيّات مختلفة، و صور متنافية، حتي يتأتّي بروزه عندك لكلّ منزلة في معرضها، فهو الرهان الذي يجرّب به الجياد، و النضال الذي يعرف به الأيدي الشداد فتعرف أيّما حال يقتضي كذا... و أيّما حال يقتضي خلافه... الخ.
و عليه فتزداد قوّة الكلام و صلابته و كذا روعة البيان وصولته، كلّما ازدادت العناية بجوانبه اللفظية و المعنويّة من الاعتبارات المناسبة، و رعاية مقتضيات الأحوال و الاوضاع، و ملاحظة مستدعيات المقامات المتفاوتة، علي ما فصّله القوم. و قلّ من يتوفّق لذلك بالنحو الأتمّ أوالأفضل، بل الأكثر، مادام الإنسان حليف النسيان. أمّا بلوغ الأقصي و الكمال الأوفي، الذي حدّ الإعجاز، فهو خاصّ بذي الجلال المحيط بكلّ الأحوال.
و في ذلك يقول السكّاكي: «البلاغة تتزايد الي أن تبلغ حدّ الإعجاز، و هو الطرف الأعلي و ما يقرب منه».

 و منه أخذ الخطيب القزويني: «و للبلاغة في الكلام طرفان، أعلي و هو حدّ الاعجاز و ما يقرب منه. و أسفل و هو ما إذا غيّرالكلام الي ما دونه التحق عند البلغاء بأصوات الحيوانات».


إذن فالطرف الأعلي و ما يقرب منه، كلاهما حدّ الإعجاز، علي ما حدّده السّكاكي، و بذلك يكون اختلاف مراتب آيات القرآن في الفصاحة و البيان، كلّه داخلاً في حدّ الإعجاز الذي لايبلغه البشر. و هذا هو الصحيح، علي ما سنبيّن.
و بعد، فالمتلخّص من هذا البيان: أن التفاضل بين كلامين أو التماثل بينهما إنّما يتحقّق بهذه الاعتبارات ـ التي هي مقاييس لدرجة فضيلة الكلام ـ و هي من قبيل المعني أكثر من كونها من قبيل اللفظ، فليس المقصود بالتحدّي، المعارضة في التشاكل اللفظي و التماثل في صورة الكلام فحسب، كما حسبه مسيلمة الكذّاب و من حذا حذوه من أغبياء القوم.


 الاعجاز ضرورة دفاعية قبل أن تكون ضرورة دعائية... إنّ رسالة الأنبياء علي وضح من الحقّ الصريح، ولاحاجة الي إقامة برهان. له دعوة الحقّ. و بالحقّ أنزلناه و بالحق نزل. ذلك الكتاب لاريب فيه. يا أيها الناس قد جاءكم الحقّ من ربّكم. و يري الذين اوتوا العلم الذي انزل اليك من ربّك هو الحقّ. و ليعلم الذين اُوتوا العلم أنّه الحقّ من ربّك فيؤمنوا به... نعم، و أكثرهم للحقّ كارهون. و جحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما و علوّا... .
و من ثمّ وقفوا في سبيل الدعوة إما معارضة بالوساوس والدسائس و عرقلة الطريق، فدعت الضرورة الي الدليل المعجز استيقانا و دفعا للشبهة، أو مكافحة بالسيف فدعت الحاجة الي القتال و الجهاد... .

-----

 

عن المرحوم اية الله الشيخ محمد هادي معرفة - تبيان



 
 


أهل البيت عليهم السلام :

  • النبي الأعظم صلى الله عليه واله وسلم
  • أمير المؤمنين علي عليه السلام
  • الصديقة فاطمة الزهراء عليها السلام
  • الامام الحسن عليه السلام
  • الإمام الحسين عليه السلام
  • الامام علي السجاد عليه السلام
  • الإمام الباقر عليه السلام
  • الإمام جعفر الصادق عليه السلام
  • الإمام موسى الكاظم عليه السلام
  • الإمام علي الرضا عليه السلام
  • الإمام محمد الجواد عليه السلام
  • الإمام علي الهادي عليه السلام
  • الإمام الحسن العسكري عليه السلام
  • الإمام الحجة المهدي عليه السلام

تربية أخلاقية :

  • أخلاقيات

فكر وعقيدة :

  • عقائديات

مقالات ومواضيع منوعة :

  • المرأة والطفل
  • منوعات
  • مقابلات مع الشيخ علي الدهنين دام عزه
  • محاضرات مكتوبة للشيخ الدهنين
  • شخصيات إسلامية

سير بعض العلماء :

  • آية الله العظمى الشيخ بهجت

القسم الصوتي والمرئي :

  • محاضرات محرم لعام 1434 هـ

سماحة الشيخ حيدر السندي :

  • التوحيد الإلهي
  • العدل الإلهي
  • النبوة
  • الإمامة
  • أهل البيت عليهم السلام
  • الإمام المهدي عليه السلام
  • منوعات
  • منوعات فقهية
  • على ضفاف الطف
     جديد القسم :



 حديث( علي حبه حسنة ) فوق شبهة التغرير في ارتكاب السيئة:

 المرأة عند الشيعة

 دفع شبهة ترتبط بعمومية الرسالة الخاتمية:

 البحث الثالث: من قتل الإمام الحسين عليه السلام؟

 آلية الإصلاح في النهضة الحسينية

 قيمة النهضة الحسينية (القسم الثالث)

 قيمة النهضة الحسينية (القسم الثاني)

 عظمة النهضة الحسينية (القسم الأول)

 التوسل بالأنبياء وفعل المشركين

 المرجع الأعلى إذا تحدث

     البحث في القسم :


  

     مقالات عشوائية :



 عطاء الإمام الحسين عليه السلام

 الإمام المهدي عليه السلام طموح الأحرار في العالم

 الإمام الجواد عليه السلام والدعوة الى التوحيد الخالص

 عبر من قميص يوسف

 أهمية المجالس الحسينية

 أحاديث الرسول (ص) في فضل خديجة (رض)

 في كربلاء أفكار تنبض بالحياة

 البنات حسنات

 سطوع النور القدسي للإمام الرضا عليه السلام

 فضائل علي ابن ابي طالب ( ع ) وأثر شهادته في التاريخ

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية لهذا القسم
  • أرشيف مواضيع هذا القسم
  • راسلنا - إتصل بنا
  • أرسل إستفتاء / سؤال
  • أضف الموقع للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

 زاد المعاد : الموقع الرسمي لسماحة الشيخ علي الدهنين دام عزه  @  www.zaad.org

تصميم وبرمجة وإستضافة الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net